ابن عربي
224
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
أما بعد ، فإنه لن يستقبل أحد يوما من عمره إلا بفراق آخر من أجله ، فاستعملوا لأنفسكم لما تقدمون عليه لا لم تظعنون عنه ، وراقبوا من ترجعون إليه ، فإنه لا قوي أقوى من خالق ، ولا ضعيف أضعف من مخلوق ، ولا مهرب من اللّه إلا إليه ، وكيف يهرب من يتقلّب في يدي طالبه ؟ وإنما توفون أجوركم يوم القيامة ، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ، وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ * . وروينا من حديث ابن ودعان ، حدثنا الحسن بن محمد الصيرفي ، نبأ أبو بكر بن محمد بن قاسم ، نبأ إسماعيل بن إسحاق ، نبأ نصر بن علي ، عن الأصمعي ، عن أبي عمرو ، عن عيسى بن عمير ، عن معاوية أنه قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول في خطبة أحد العيدين : « الدنيا دار بلاء ومنزل قلعة وعناء ، نزعت عنها نفوس السعداء ، وانتزعت بالكره من أيدي الأشقياء ، وأسعد الناس بها أرغبهم عنها ، وأشقاهم بها أرغبهم فيها ، هي الغاشّة لمن استنصحها ، والمغوية لمن أطاعها ، والجائرة لمن انقادها ، والفائز من أعرض عنها ، والهالك من هوى فيها ، طوبى لعبد اتقى فيها ربه ، وناصح نفسه ، وقدّم توبته ، وأخّر شهوته ، من قبل أن تلفظه الدنيا إلى الآخرة فيصبح في بطن مقفرة موحشة غبراء مدلهمة ظلماء ، لا يستطيع أن يزيد في حسنة ، ولا ينقص من سيئة ، ثم ينشر فيحشر ، إما إلى جنة يدوم نعيمها ، أو نار لا ينفكّ عذابها » . لما مات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز جزع عليه أبوه جزعا شديدا ، فقال ذات يوم لمن حضر : هل من منشد شعر يعزّيني به أو واعط يخفّف عني فأتسلى به ؟ فقال رجل من أهل الشام : يا أمير المؤمنين ، كل خليل مفارق خليله بأن يموت أو بأن يذهب ، فتبسم عمر وقال : مصيبتي فيك زادتني مصيبة . وفي الكتاب الأول أن اللّه تعالى يقول : يا عبدي ، إن رضيت حكمي واليتك ، وإن اتقيتني قربتك ، وإن استحييت مني أكرمتك ، وإن توكلت عليّ صدقا كفيتك ، وإن ظلمت نفسك بمعصيتي عاقبتك . أنت بيدك جرحت فؤادك لما بلغت من المعصية مرادك ، أما علمت أنك لما نزعت لباس التقوى عرضت نفسك للمحن والبلوى ؟ ومن كلام علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : الدنيا دار صدق ، ودار عافية لمن فهم عنها ، ودار غنى لمن تزود منها ، مسجد أنبياء اللّه ، ومهبط وحيه ، ومصلى ملائكته ، ومتجر أوليائه ، يكسبون فيها الرحمة ، ويرجون فيها الجنة ، فمن ذا يذمها وقد أذنت بنعيها ، ونادت بفراقها ، ونعت نفسها ، وشوقت بسرورها إلى السرور ، وببلائها إلى البلاء ، تخويفا وتحذيرا وترغيبا وترهيبا . فيا أيها الذامّ للدنيا ، والمفتتن بغرورها ، متى غرتك بمصارع